جديد المدونة

الوفاء مع الوالدين




الموضوع : الوفاء مع الوالدين

 إنَّ الحمد لله ، أحمدك ربي وأستغفرك وأتوب إليك ، سبحانك ربَّنا وبحمدك ، أمرتنا أن لا نعبد إلا إياك وبالوالدين إحسانا ، بذلك قضى رَبُّنَا ووصَّانا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ملأ قلوب أهل الإيمان بِرّاً ورحمةً وحنانا ، وأشهد أنَّ سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أشرف المرسلين رسالةً وَأَفْضَلُ البشريَّة إنسانا ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه كانوا بنعمةِ الله إخوانا ، وَعَلَى التُّقَى والبِّر أنصاراً وأعوانا ، والتَّابعين ومن تبعهم يرجوا جناتٍ وإحسانا. أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله فاتقوا الله عباد الله واشكروه ، وأطيعوه ولا تعصوه ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }[[1]] .

معاشر المسلمين:  لازال حديثنا متواصلاً عن الوفاء بالعهود والعقود ، فالنَّفس البشرية تَكْمُلُ بعبوديتها لله، وحسن معاملتها مع الخلق ، وَشَرَعَ الله لعباده الأخذ بمعالي الأمور، والنَّهي عن سافلها، والوفاء من الأخلاق الكريمة ومن صفات النفوس الشَّريفة، وهو من أُسس بناء المجتمع واستقامة الحياة ، وهو: الاعتراف بالفضلِ وَرَدِّ الْجَمِيلِ لمن أسدَى إليك معروفًا ، أو مدَّ إليك يدًا.  وإنَّ أعظمَ عهدٍ يجب الوفاء به ، برُّ الوالدين ، والإحسان إليهما أحياء وأمواتاً ، قُرْبَةً ووفاءً ، ذخراً خالداً وجزاءً ،

 عَلَيْكُمْ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّهَا =  وَصِيَّةُ مَوْلَانَا وَلَيْسَ لَهُ ضِدُّ

وَقَرَنَ شُكْرَ الْوَالِدَيْنِ بِشُكْرِهِ = لَهُ الْمَنُّ وَالْآلَاءُ وَالْحَمْدُ وَالْمَجْدُ

إخوة الإيمان : وإن كان النُّفوس مجبولةً على حبِّ من أحسن إليها ، فإنَّ من أعظم الناس إحساناً ، وأحقِّهِمْ برًّا وَحَنَاناً ، الوالدان الكريمان ، وأول واجبٍ فرَضَه الله من حقوق الخلق ، البرُّ بالوالدين ، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }[[2]]. ؛ فقد تعِبا لراحتك، وسهِرَا لنومك، وكدَحَ الوالدُ لعيشك، وحمَلَتكَ أُمُّكَ كَرْهًا ووضعَتْك كَرْهًا، قال تعالى  {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَرْهاً وَوَضَعَتْهُ كَرْهاً.}[[3]].

وإنَّ من صِوَرِ الوفاء للوالدين أيها المسلم المبارك: طاعتهما دائمًا في غير معصيةٍ ، وتقديم أمرهما، وطلب رضاهما قبل كل شيء ، لا تسافر إذا لم يأذنا لك، لا تفضل زوجتك أو ولدك عليهما، ومع هذا ضع نصب عينيك : أنَّ لوالديك عليك حقًّا، ولزوجتك عليك حقًّا، ولولدك عليك حقًّا ، فأعط كل ذي حقٍّ حقَّه.

فافعل الجميل مع والديك ، وأدخل السرور على نفوسهما، ووقرهما واحترمهما ؛ قال تعالى: { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} [[4]].

 

ومن الوفاء للوالدين : إكرام صديقِهما بعد موتِهما. روى مسلمٌ في صحيحه ، أن عبد الله ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ،  أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ ، كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِىٌّ ، فَقَالَ له ابنَ عُمر أَلَسْتَ ابْنَ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ ؟ قَالَ بَلَى . فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ وَقَالَ ارْكَبْ هَذَا ، وَأَعْطَاهُ الْعِمَامَةَ - وَقَالَ لَهُ - اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ، أَعْطَيْتَ هَذَا الأَعْرَابِىَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ. فَقَالَ ابنَ عُمر : إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّىَ ». وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ.[[5]]

ومن البرِّ بهما إخوة الإيمان : أن يريَا ثمرة جهدهما على أولادهما ، بسلوكهم طريق الاستقامة والصَّلاح ، بأن يكونوا مستقيمين على طاعة الله ، وأعضاء نافعين في مجتمعهم ، لتصلهما الرَّحمات والدعوات الصالحات ، فالطبيب حين يعالج مريضا ، يحصُل على رحمةٍ لوالديه ، والمهندس حينما ينجز عملا في مجال الكهرباء أو الإعمار، يحصل على رحمةٍ لوالديه،  والمدرس حين يخلص في تدريسه ، يحصُل على رحمةٍ لوالديه ، والموظف الذي يقدم خدماتٍ جليلة للمواطنين ، ويساعدهم في قضاء حوائجهم دون تأخير ، يحصل على رحمةٍ لوالديه ، والإعلامي إذا قال الحقيقة وحرص على الصدق في أقواله وكتاباته ، يحصل على رحمةٍ لوالديه ، وحتى الذي يزيل الأذى عن الطريق ، يحصل على رحمةٍ لوالديه ، وهكذا لجميع المهن ، يقينا أنَّ جميع هؤلاء سيحصلون على دعواتِ الناس لأهاليهم بالرحمة والغفران . لذلك فإني أوصي نفسي وإياكم بعمل الخير ، والإتقان في العمل ، وخصوصا الذين لديهم مناصب وظيفية مؤثرة ، أن يعملوا بشكلٍ يرضي الله أولاً ، ويوصل الرحمة لأهاليهم  ؛ ومن هذا نستنتج أنَّ كلَّ من أكمل واجبَه على ما يرام ، فإنه سيجلب الرحمة والمغفرة لوالديه ، وبطريقة سهلةٍ وبسيطة .

وبهذا نقول أيها الآباء الأفاضل والأبناء الكرام: أنَّ ابن والديه حقا ، هو من يعمل بإتقان ، كي يحصل لهما على الرحمة ، وليس على عكسها ، وبالنتيجة تلك يكون الوفاء للوالدين ،  فهل من مخلصٍ وفيٍّ لوالديه يحرصُ على هذا الوفاء ويسعى إليه ؟ نسأل الله تعالى أن يزرع فينا الوفاء لوالدينا ، أحياءً وأمواتاً ، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب الدعاء ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..

الخطبة الثانية

 الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه سبحانه ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبدهُ ورسوله الداعي إلى رضوانه ، صلى الله وسلم وبارك عليه ، وعلى آله وأصحابه وإخوانه. أما بعد فيا إخوة الإيمان : وإنَّ من صور الوفاء  للوالدين : الدعاء لهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « فَاقْضِهِ عَنْهَا »[[6]].  وجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِىَ مِنْ بِرِّ أَبَوَىَّ شَىْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا قَالَ « نَعَمِ الصَّلاَةُ عَلَيْهِمَا وَالاِسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِى لاَ تُوصَلُ إِلاَّ بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا »[[7]].

أيها الإخوة الأكارم : إنِّي أدعو نفسي وإياكم ، ألَّا نخرج من هذا المكان المبارك ، إلا وقد عاهدنا الله على الوفاء والبِرِّ بوالدينا ، فمن كان بينه وبين والديه ، قطيعة أو خلاف ، أن يصلح ما بينه وبينهم، ومن كان مُقصِّراً في بر والديه ، أن يبذل ما بوسعه في برهما وإسعادها . ومن كان بارّاً بهما فليحافظ على ذلك، ؛ وإذا كانا ميتين فليكثر من التصدق لهما ، ويبرهما بدعوة صالحة ، أو عمل صالح يهدي ثوابه لهما . راجين من الله جلَّت قدرته أن يعيننا على بِرِّ والدينا وأن يتقبَّل منا ،  وأن يسعدنا ووالدينا في الدنيا والآخرة ، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه ،، عباد الله  : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً }[[8]]. اللهم صل وسلم وزد وبارك على سيدنا محمد ، وارض اللهم عن آله وصحبه أجمعين ، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ، وعنا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين ،، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين ، ودمِّر أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين، اللهم إنَّا نسألك الأمن والأمان لبلدنا وسائر بلاد المسلمين يارب العالمين ،  اللهم إنا نسألك أن تعيننا جميعاً على بر والدينا، اللهم إن كنا قد قصرنا في برهما، أو أخطأنا في حقهما، اللهم فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسرفنا وما أعلنا، واملأ قلبيهما بمحبتنا، وألسنتهما بالدعاء لنا، يا ذا الجلال والإكرام .. اللهم وإن كانا ميتين فاغفر لها وارحمهما، وأعنا على الإحسان والوفاء إليهما بعد موتهما يا رب العالمين . اللهم اغفر لنا ولوالدينا ، ولمعلمينا ولمشايخنا ، ولمن أوصانا وأوصاكم بصالح الدعاء وللمسلمين أجمعين ، ولمن بنوا هذا المسجد ولمن أنفق وينفق عليه ، ولمن عمل فيه صالحاً وإحسانا يا رب العالمين .





[1] - الحشر18 .
[2] - الإسراء23 .
[3] - الأحقاف15 .
[4] - الإسراء: 23 .
[5] - صحيح مسلم .
[6] - صحيح مسلم  .
[7] - سنن أبو داود ..
[8] - الأحزاب56 .

ليست هناك تعليقات

نعتز بديننا وبتراثنا وأصالتنا

المتابعون