جديد المدونة

احذروا الظلم

 

احذروا الظلم

الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ سيدنا ونبينا محمَّدًا عبده ورسوله حذرنا من الظلم وعاقِبَتِه فقال « إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .»([1]). صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبارك عليه ، وعلى آله وصحبه ، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ، وسلَّم تَسْلِيمَا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ: فأوصي نفسي وإيَّاكم بتقوى الله القائل سبحانه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾([2]).

معاشر المسلمين : يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾([3]). فَهذه الآية الكريمة دعوةٌ من الله عز وجل لنا ألا نظلم أنفسنا، لأن َّعاقبة الظلم وخيمة في الدنيا قبل الآخرة ، والدُّروس والعبر في ذلك كثيرة ، فكم من  ظالمٍ انتقم الله عز وجل منه؟ وكم من ظالمٍ صبَّ الله عز وجل عليه البلاء صباً ، فلم يجد ذلك العبد ولياً له من دون الله ولا نصيراً؟ ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾([4]) .

عِبَادَ اللهِ: وَأَنْتُمْ تَسْتَقْبِلُونَ شَهْرَ رَجَبٍ الفَرْدَ، الذي هُوَ مِنَ الأَشْهُرِ الحُرُمِ، فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِ أَنْفُسَكُمْ، الْتَزِمُوا حُدُودَ اللهِ تعالى، وَأَقِيمُوا فَرَائِضَ اللهِ تعالى، وَاجْتَنِبُوا مَحَارِمَهُ، وَأَدُّوا الحُقُوقَ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ، وَفِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ العِبَادِ، تُنْصَرُوا وَتُرْزَقُوا وتُجْبَرُوا، كَمَا أَخْبَرَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا، وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ، وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا»([5]).

عِبَادَ اللهِ: احْذَرُوا الظُّلْمَ دَهْرَكُمْ كُلَّهُ، وَخَاصَّةً في الأَشْهُرِ الحُرُمِ، لِأَنَّ الظُّلْمَ فِيهَا أَشَدُّ حُرْمَةً مِنْ غَيْرِهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ تَبَارَكَ وتعالى لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، فَقَالَ سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾([6]). وَقَالَ جلَّ وعلا: ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾([7]). وَعِنْدَمَا حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَيْنَا، فَقَالَ تعالى في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: « يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» ([8]).

فَيَا عِبَادَ اللهِ: كُلُّنَا مَسْؤُولٌ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمَامَ الذي لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، فَمَا نَحْنُ قَائِلُونَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ هَلْ مِنَ المَعْقُولِ أَنْ يَظْلِمَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَسْؤُولٌ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تعالى؟ هَلْ مِنَ المَعْقُولِ أَنْ يَجْتَرِئَ العَبْدُ عَلَى ظُلْمِ الآخَرِينَ، وَاللهُ تعالى قَدْ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ؟ قال تعالى ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾([9]). ورحم الله القائل :

خَفِ اللهَ فِي ظُلْمِ الورى واحذره

                وَخَفْ يَوْمَ عَضُّ الظَّالمين على اليد

ولا تحسبنَ الله عَنْ ذاكً غافلاً

                    ولكنَّهُ يُملِي لمن شاءَ إلى الغد

فلا تَغْتَرِرْ بالحلمِ عن ظلمِ ظالمٍ

                       سيأخُذُه أخذًا وبيلاً وعن يدِ

ألا إنَّ ظُلم النَّاس ذنبٌ معظمٌ

                   أَتَى النَّصَّ فِي تَحْرِيمِهِ بِالتَّوَعُّدِ

 

يقول جلَّ وعلا ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾([10]). أسأل الله بمنه وكرمه أن يحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وأن يعصمنا من ظلم الآخرين، وأن يحفظ المسلمين في كل مكان ، إنه ولي ذلك والقادر عليه . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى ، أما بعد فَيَا عِبَادَ اللهِ: كَمْ في عَالَمِنَا مِمَّنْ ظُلِمَ في عِرْضِهِ، وَمِمَنْ ظُلِمَ في بَدَنِهِ، وَمِمَنْ ظُلِمَ في مَالِهِ. لِمَاذَا هَذَا الظُّلْمُ، وَسَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»([11]).

الظُّلْمُ إخوة الإيمان : حَرَّمَهُ اللهُ تعالى عَلَيْنَا مِنْ أَجْلِ اسْتِقْرَارِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا التي فِيهَا مَعَاشُنَا، الظُّلْمُ حَرَامٌ في جَمِيعِ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ، الظُّلْمُ يَأْبَاهُ كُلُّ إِنْسَانٍ عِنْدَهُ ذَرَّةُ عَقْلٍ، فَكَيْفَ بِالمُؤْمِنِ الذي عَلِمَ قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾([12]). فأُحذركم ونفسي من الظلم لأن الظلم عاقبته وخيمة سيئة. وهو منبع كل رذيلة ومصدر كل شر ، والظلم ظُلُمات يوم القيامة ، تَزِلّ به الأقدام وتضِلّ به الأفهام ، وينتشر بسببه الفزع والاضطراب بين الناس ،  فلا تظلموا أنفسكم ، ولا تظلموا أزواجكم وأولادكم ، ولا تظلموا إخوانكم وأخواتكم ، ولا تظلموا جيرانكم أو أرحامكم فدعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام، ويقول : « وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ »([13]) . فاللهم إنَّا نعوذ بك أَنْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمْ ، أَو نَفْتِنَ أَو نُفْتَنَ ، رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ برحمتك يا أرحم الراحمين . عباد الله : صلُّوا على رسول الله ، صلُّوا وسلِّموا على من أمرنا من ربنا بالصلاة والسلام عليه بقوله سبحانه ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾([14]). اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وارض اللهم عن آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين .. اللهم امنن على بَلَدِنَا ليبيا بالأمن والأمان ، والراحة والاطمئنان ، ورغد العيش يا كريم يا منان اللهم ولِّ أمورنا خيارنا ولا تول أمورنا شرارنا ، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يخشاك ولا يرحمنا ، اللهم أصلح أحوالنا وأحوال بلادنا ، وأحوال المُسلمين في كل مكان يارب العالمين ، اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافِنا واعفُ عنَّا، وارزُقنا واجبُرنا، وارفَعنا ولا تضَعنا، وأكرِمنا ولا تُهِنَّا، وكُن معنا ولا تكُن علينا، وانصُرنا ولا تنصُر علينا، اللهم انصُرنا على من ظلمَنا، اللهم انصُرنا على من عادانا، اللهم انصُرنا على من بَغَى علينا، اللهم لا تُشْمِت بنا عدوًّا ولا حاسِدًا برحمتِك يا أرحم الراحمين . اللهم اغفر لنا ولولدينا ، ولمشايخنا ولمعلمينا ، وللمسلمين أجمعين ، ولمن أوصانا وأوصاكم بصالح الدعاء ،  ولمن بنوا هذا المسجد ، ولمن أنفق وينفق عليه ، ولمن عمل فيه صالحا وإحسانا يا رب العالمين

 



([1]) رواه أحمد .

([2])  الحشر18.

([3]) التوبة36 .

([4]) يونس 52 .

([5]) رواه ابن ماجه .

([6]) يونس 44 .

([7]) الكهف49 .

([8]) رواه الإمام مسلم .

([9]) النساء40 .

([10])الزخرف65.

([11]) رواه البخاري .

([12]) الحجر92 – 93 .

([13]) المعجم الكبير .

([14]) الأحزاب56 .



ليست هناك تعليقات

نعتز بديننا وبتراثنا وأصالتنا

المتابعون