من ثمرات ومعاني العيد
من ثمرات ومعاني العيد
الحمد لله جعل في العيد موسمًا للتَّواصل والتَّقارب والتَّسامح ، ومجالاً للألفة والمحبَّة والتَّصالح ، أحمده سبحانه وأشكره ، وأتوب إليه وأستغفره ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، القائل سبحانه وتعالى { وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَّاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ، إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }النساء1. وأشهد أنَّ سيِّدنا ونبيِّنا وحبيبنا محمدًا عبده ورسوله ، القائل صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ، فَلاَ يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ » رواه أحمد. صلى الله وسلم وبارك عليه ، وعلى آله وصحبه الذين ضربوا أروع الأمثلة صفاءً ووفاءً، وطُهراً ونقاءً، والتابعين ومن تبعهم وسار على نهجهمُ اهتداءً واقتفاءً، صلاةً وسلامًا يزيده بهجة وبهاءً، ونوراً وضياءً، وبركة وسناءً ... أما بعد: فَأُوصِيكُمْ أَيَّهَا النَّاسُ وَنَفْسِي بِتَقْوَى الله عَزَّ وَجَلَّ، فَاتَّقُوا اللهَ رَحِمَكُمُ اللهِ ، فَالْعَجَبُ لِمَنْ يَأْنَسُ بِالدُّنْيَا وَهْوَ مُفَارِقُهَا، وَكَيْفَ يَأمَنُ النَّارَ مَنْ هُوَ وَارِدُهَا، يَلْهُو مَنْ يَقُودُهُ عُمُرُهُ إِلَى أَجَلِهِ، وَيَغْفَلُ مَنْ أَنْفَاسُهُ تَخْطُو بِهِ إِلَى مَصِيرِهِ ، بَقَاؤُهُ قَائِدُهُ إِلَى فَنَائِهِ، وَصِحَّتُهُ تَسُوقُهُ إِلَى سَقَمِهِ، وَمَا يُؤْتَى الْحَذِرُ إِلاَّ مِنْ مَأْمَنِهِ ، فَالْجِدَّ الْجِدَّ رَحِمَكُمُ الله قَبْلَ حُلُولِ الْمَنَايَا، وَالتَّوْبَةَ التَّوْبَةَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ، فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ، وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً، إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } فاطر 5 ،6
إخوة الإسلام والإيمان : قبل أيامٍ عشنا وإياكم ، أيامًا مباركةً عظيمة ، هي أيام العشر من ذي الحجة ، والتِّي كان فيها يوم عرفة ، ويوم النَّحر يوم عيد الأضحى المبارك ، وعشنا بعدها أيام العيد ، فهنيئا لك يامن ضاعفت في هذه الأيام أعمالك الصالحة ، وَعَمِلْتَ فيها بجدٍ واجتهاد ، وأخلصت فيها النِّيَّةَ لله ربِّ العالمين ، فصمت وتصدقت وصليت ، وأكثرت من قراءة القرآن ، ومن التَّكبير والتَّهليل ، والتَّسبيح والتَّحميد والاستغفار، إلى غير ذلك من الأعمال الصَّالحة ، فهنيئًا لك يا من فعلت كل ذلك ،، ولكن اسمحوا لي ، أَنْ أُسَائِلَ نفسي وَ أُوسَائِلَكُمْ ونحن كنا في أيام العيد ، عن صلة الرحم وعن أخبارها عندكم ، وعن حقوق بعضكم البعض ، وعن حقوق القرابة والأخوة ، والصداقة والجوار ، وماذا فعلنا بشأنها ، هل تصالحنا مع إخوتنا وأخواتنا ، هل تصافينا مع جيراننا وأصدقائنا وأقربائنا وتواصلنا معهم ، هل أزلنا كل الخصومات والمنازعات ، والهجر والشقاق الذي بيننا وبينهم ، وأعطينا كُلَّ ذي حقٍ حَقَّه ، وفوتنا الفرصة على الشيطان اللَّعين ، ودحرناه في هذا العيد السعيد بتقاربنا وبتواصلنا، كما دحره ورجمه حجاج بيت الله الحرام عند الجمرات ، هل فعلنا كل ذلك ، أم أنها باقية على حالها لم تتبدل ولم تتغير ، وأحلناها إلى عامٍ آخر وعيدٍ آخر، أو إلى أجلٍ غير مسمَّى ، وربما نكون عند ذلك الحين ، في مكان آخر ومعَ أُنَاسٍ آخرين ، لا نستطيع أن نتصالح فيه ولا أن نتسامح ، ويكون الأوان قد فات ،، فهنيئا لنا مغفرة ربنا ورضوانه وجناته ، إن كنا تصالحنا وتسامحنا ، وتغلبنا على النفس والهوى والشيطان ، وإلاَّ فاسمعوا معي بقلوبكم قبل آذانكم ، وتدبَّروا قول الله تبارك وتعالى ، وهو يقول في سورة محمدٍ صلى الله عليه وسلم { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } 22 ، 23 محمد . ثم اسمع معي أيها المسلم ، إلى قول حبيبنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، فقد روى بن حبان في صحيحه ، عن أبي بَكْرَةَ رَضِيَّ اللهُ عَنْهُ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ « مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ ، مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ ، وَالْخِيَانَةِ ، وَالْكَذِبِ ، وَإِنَّ أَعْجَلَ الطَّاعَةِ ثَوَابًا لَصِلَةُ الرَّحِمِ ، حَتَى إِنْ أَهْلَ الْبَيْتِ لَيَكُونُوا فَجَرَةً ، فَتَنْمُوا أَمْوَالُهُمْ ، وَيَكْثُرُ عَدَدُهُمْ إِذَا تَوَاصَلُوا ». فأين نحن من هذه الوصايا، وأين نحن من هذه الثمار ، التي كان من المفترض أن نقتطفها ، ونسعى لجنيها في هذا العيد ، فهنيئا لك يامن طهَّرت قلبك ، وصفيت نفسك ، وتواصلت مع أهلك وذوي رحمك ، وجيرانك وأحبابك وأصحابك ، هنيئا لك إن تصافيت وتصالحت وتسامحت وتغافرت معهم ، فبشراك بعمار الدِّيار ، وزيادة الأعمار، هذه البشرى من حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ، في مسند الإمام أحمد عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ، أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لَهَا « إِنَّهُ مَنْ أُعْطِىَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ ، فَقَدْ أُعْطِىَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِى الأَعْمَارِ ». فهل لازال لك بعد هذا الكلام عذرٌ أيها المسلم ، وهل لازال في قلبك شيءٌ على إخوانك ، لم تُزِلْهُ وتطرحه عنك ، هل تريد أن تفوز برضوان الله وجنانه ، إذًا افتح سمعك وقلبك لهذا الحديث ، واحرص على العمل بما جاء فيه ، في مسند الإمام أحمد عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ أَتَى النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْبِئْنِى بِعَمَلٍ إِنْ عَمِلْتُ بِهِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ « أَفْشِ السَّلاَمَ وَأَطِبِ الْكَلاَمَ وَصِلِ الأَرْحَامَ وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ ». فكيف يرضى المسلم ، أن يكون قاطعا عندما يسمع هذا الكلام ، وكيف يرضى بعد ذلك ، أن لاَّ يُقبل منه عمله ويردَّ عليه ولا يصطلح مع إخوانه ، اسمع أيها المسلم كما سمع أبو هريرة رضي الله عنه من النبي عليه الصلاة والسلام ، وَهْوَ يَقُول « إِنَّ أَعْمَالَ بَنِى آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَلاَ يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ » رواه أحمد . « اللَّهُمَّ إِنِّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ وَعَمَلٍ لاَ يُرْفَعُ وَقَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ وَقَوْلٍ لاَ يُسْمَعُ ». أعوذ بالله من الشيطان الرجيم { وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ، وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ، أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ }الرعد25.،نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الواصلين ، ولا يجعلنا من القاطعين ، إنه سميع قريب مجيب الدعاء ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيما لشانه سبحانه، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله، الدَّاعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليما كثيرا.. أما بعد ،، إخوة الإيمان : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، واعلموا أن من الخطأ أن تصلوا من وصلكم ، وتقطعوا من قطعكم ، لأنَّ هذه المعاملة ليست صلةَ رحم ، وإنما هي إحسانٌ لمن أحسن ، وردُّ جميلٍ ومكافأة ، وهذه تكون بين عامَّة الناس القريب منهم والبعيد ، وإنَّما حقيقة صلةِ الرَّحم أن تصلهم وإن قطعوك ، ولذلك قال حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم « لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا » رواه البخاري. واسمع معي أيضا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم لأَبِي ذَرٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ ، حيث قَالَ : أَوْصَانِى خَلِيلِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ ». فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الصلة بذل الإحسان ، والقطيعة منع الإحسان ، فصلوا أرحامكم ، ومن عليه حقوق نحو أرحامه ، عليه أن يتحلل منها ويرد الحقوق إلا أصحابها ، فهذا الشخص ظالم وقاطع ، فوزره وزران وإثمه إثمان ، إن لم يبادر برد المظالم وصلة الرحم والتحلل منها ، لقيَّ ربه وهو عليه غضبان ، والله تعالى يقول { وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى، وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} 81 ، 82 طه . « اللَّهُمَّ إِنِّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَبِكَ مِنْكَ لاَ نُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ، سبحانك اللهم وبحمدك ، سبحان الله العظيم ».
ليست هناك تعليقات